قد يولد الطفل بجلد طبيعي تمامًا، ثم يلاحظ الأب أو الأم بعد أيام أو أسابيع ظهور بقعة حمراء صغيرة. ومع مرور الوقت تبدأ هذه البقعة في الارتفاع أو الاتساع، فيزداد القلق وتبدأ الأسئلة:
هل هي وحمة عادية؟
هل ستستمر في النمو؟
هل يمكن أن تنزف؟
هل تؤثر على العين أو التنفس؟
وهل يحتاج الطفل إلى دواء أم يمكن الانتظار؟
غالبًا ما تكون هذه العلامة ما يُعرف باسم الورم الوعائي الدموي الطفولي أو Infantile Haemangioma، ويطلق عليه بعض الأهل اسم الوحمة الدموية أو الوحمة الفراولية.
معظم هذه الأورام حميد، وكثير منها ينكمش تدريجيًا دون علاج. لكن بعض الحالات تحتاج إلى تقييم مبكر جدًا لأن فترة النمو الأسرع تحدث خلال الشهور الأولى من العمر، وقد يؤدي الانتظار في الأماكن الخطرة إلى تأثير وظيفي أو تغير دائم في الجلد.
ما هو الورم الوعائي الدموي الطفولي؟
هو نمو حميد ينتج عن تكاثر غير طبيعي لخلايا الأوعية الدموية في جلد الطفل أو تحته.
وكلمة “ورم” هنا لا تعني السرطان. فالورم الوعائي الطفولي ليس ورمًا خبيثًا، ولا ينتقل إلى الآخرين، وغالبًا يمر بمراحل نمو ثم يبدأ في الانكماش تلقائيًا مع مرور السنوات.
هل يكون موجودًا منذ الولادة؟
قد لا يكون واضحًا عند الولادة.
في كثير من الأطفال يظهر أولًا كبقعة باهتة أو حمراء أو علامة تشبه الكدمة، ثم يبدأ في النمو خلال الأسابيع التالية.
وهذه النقطة تفرق بين الورم الوعائي الطفولي وبعض الأورام الوعائية الخِلقية التي تكون مكتملة النمو منذ لحظة الولادة.
كيف يبدو الورم الوعائي؟
يختلف شكله حسب العمق.
الورم الوعائي السطحي
يظهر كبقعة أو كتلة حمراء زاهية ومرتفعة، وقد يشبه سطح حبة الفراولة.
الورم الوعائي العميق
يكون تحت الجلد، وقد يبدو كتورم بلون الجلد أو بلون أزرق مائل إلى البنفسجي.
الورم الوعائي المختلط
يجمع بين جزء أحمر سطحي وجزء أعمق تحت الجلد.
كيف يتطور مع العمر؟
يمر الورم الوعائي عادة بثلاث مراحل رئيسية.
مرحلة النمو السريع
يحدث أسرع نمو غالبًا خلال أول ثلاثة أشهر، وتتوقف غالبية الأورام عن النمو السريع قرب عمر خمسة أشهر، وإن استمر بعضها لفترة أطول.
مرحلة الثبات
يستقر الحجم لفترة، وقد يبدو أن الورم لم يعد يتغير بوضوح.
مرحلة الانكماش
يبدأ اللون في البهتان، وتصبح الكتلة أكثر ليونة وأقل ارتفاعًا، ثم تنكمش تدريجيًا على مدى عدة سنوات.
قد ينكمش الورم بدرجة كبيرة، لكن بعض الأطفال تبقى لديهم شعيرات دموية ظاهرة، أو جلد زائد، أو تغير في الملمس، أو نسيج دهني متبقٍ.
هل كل طفل يحتاج إلى العلاج؟
لا.
الورم الصغير الذي لا ينمو بسرعة، ولا يوجد قرب عضو مهم، ولا يسبب قرحة أو تشوهًا متوقعًا، قد يحتاج فقط إلى المتابعة والتصوير الدوري.
أما الاعتقاد بأن كل الأورام يجب تركها حتى تختفي وحدها فليس صحيحًا أيضًا؛ لأن بعض الأنواع عالية الخطورة تحتاج إلى التدخل خلال الأسابيع الأولى قبل أن تكبر. وتوصي الإرشادات بالإحالة المبكرة، ويفضل قرب عمر شهر واحد، عندما يكون الورم محتمل الخطورة.
ما الأماكن التي تحتاج إلى تقييم عاجل؟
يجب عدم الانتظار إذا كان الورم في أحد الأماكن التالية:
حول العين
قد يؤدي النمو إلى تغطية العين أو الضغط عليها والتأثير في تطور الإبصار، حتى لو كان الطفل لا يبدو متألمًا.
الأنف أو الشفاه
قد يسبب تشوهًا في شكل الأنف أو صعوبة في الرضاعة، خاصة إذا كان على الشفة أو داخل الفم.
منطقة الذقن والرقبة
قد ترتبط بعض الأورام الواسعة في هذه المنطقة بورم داخل مجرى التنفس، خصوصًا إذا صاحبها صوت تنفس غير طبيعي أو بحة أو صعوبة تنفس.
الأذن أو قناة الأذن
قد يؤدي إلى انسداد القناة والتأثير في السمع.
منطقة الحفاض والثنيات
تتعرض للاحتكاك والرطوبة، ولذلك تكون أكثر عرضة للتقرح والألم والعدوى.
المنطقة السفلية من الظهر أو الحوض
قد ترتبط الأورام الكبيرة والممتدة في هذه المناطق، في حالات محددة، بتشوهات خلقية داخلية تحتاج إلى تقييم متخصص.
متى يكون الأمر طارئًا؟
يجب طلب تقييم طبي سريع إذا لاحظ الأهل:
نموًا سريعًا خلال أيام أو أسابيع.
صعوبة في التنفس أو صوتًا غير طبيعي أثناء التنفس.
صعوبة الرضاعة أو البلع.
تغطية جزء من العين أو تورم الجفن.
تقرح سطح الورم أو خروج إفرازات.
ألمًا واضحًا أو بكاء الطفل عند لمس المكان.
نزيفًا لا يتوقف بالضغط المباشر.
تغيرًا مفاجئًا في لون الورم أو سطحه.
لماذا قد يتقرح الورم الوعائي؟
التقرح يعني فقدان جزء من الجلد فوق الورم وظهور جرح مفتوح.
وهو من أشهر المضاعفات، وقد يسبب ألمًا شديدًا رغم أن الطفل لا يستطيع التعبير عنه. كما قد يؤدي إلى نزيف أو عدوى أو ندبة دائمة.
يحتاج الورم المتقرح إلى عناية بالجروح، وتسكين الألم، وعلاج العدوى إن وُجدت، وغالبًا إلى علاج يساعد على إيقاف نمو الورم وتسريع الالتئام.
هل النزيف خطير؟
قد تنزف الأورام السطحية بعد الحك أو الاحتكاك، لكن معظم حالات النزيف تتوقف بالضغط المباشر المستمر بقطعة شاش نظيفة.
يجب تجنب رفع الشاش كل عدة ثوانٍ للتأكد، لأن ذلك قد يعيد النزيف.
إذا لم يتوقف النزيف، أو كان غزيرًا، أو تكرر كثيرًا، فيجب التوجه إلى الطبيب أو الطوارئ.
هل وجود عدة أورام يحتاج إلى فحوصات؟
إذا كان لدى الرضيع خمسة أورام وعائية جلدية أو أكثر، فقد يوصي الطبيب بإجراء موجات فوق صوتية على الكبد؛ لأن تعدد الأورام الجلدية قد يرتبط بوجود أورام وعائية داخل الكبد عند بعض الأطفال.
هذا لا يعني أن كل طفل لديه عدة بقع يعاني من مشكلة داخلية، لكنه سبب مهم لعدم تأخير التقييم.
هل يحتاج الطفل إلى الأشعة؟
معظم الحالات تُشخّص بالفحص السريري ولا تحتاج إلى تصوير.
قد يطلب الطبيب الموجات فوق الصوتية إذا كان الورم عميقًا، أو كان التشخيص غير واضح، أو أراد تقييم امتداده تحت الجلد.
وقد يُطلب الرنين المغناطيسي في بعض الأورام الكبيرة أو الممتدة في الوجه والرأس أو أسفل الظهر، للتأكد من عدم وجود تشوهات مصاحبة.
ما العلاج الأكثر استخدامًا؟
البروبرانولول عن طريق الفم
أصبح البروبرانولول العلاج الأول لمعظم الأورام الوعائية عالية الخطورة التي تحتاج إلى علاج.
وهو دواء من مجموعة حاصرات بيتا، استُخدم أصلًا لأمراض القلب وضغط الدم، ثم ثبتت فعاليته في تقليل نمو الورم الوعائي وتسريع انكماشه.
قد يبدأ الورم في أن يصبح ألين وأقل امتلاءً خلال وقت مبكر من العلاج، لكن الطفل يحتاج غالبًا إلى العلاج عدة أشهر وفق خطة يحددها الطبيب.
هل البروبرانولول آمن؟
يُستخدم بأمان لدى كثير من الأطفال عندما يتم وصفه ومتابعته بطريقة صحيحة.
لكن لا يجوز إعطاؤه للطفل دون تقييم طبي، لأن الجرعة تُحسب حسب الوزن، وقد يحتاج الطبيب إلى تقييم القلب والتنفس والحالة العامة قبل البدء.
من آثاره المحتملة:
انخفاض سكر الدم.
بطء ضربات القلب.
انخفاض ضغط الدم.
برودة الأطراف.
اضطراب النوم أو التهيج.
مشكلات تنفسية عند بعض الأطفال المعرّضين لذلك.
ما أهم تعليمات الأهل أثناء استخدام البروبرانولول؟
يجب الالتزام بدقة بتعليمات الفريق المعالج.
غالبًا يُعطى الدواء أثناء الرضاعة أو بعدها، ولا ينبغي إعطاؤه إذا كان الطفل لا يرضع جيدًا أو يعاني من قيء متكرر أو مرض يمنعه من تناول الطعام، إلا بعد التواصل مع الطبيب؛ لأن قلة التغذية قد تزيد خطر انخفاض سكر الدم.
كما يجب عدم تغيير الجرعة أو إيقاف الدواء فجأة دون الرجوع إلى الطبيب.
هل يوجد علاج موضعي؟
قد يُستخدم التيمولول الموضعي لبعض الأورام الصغيرة والسطحية والمحدودة، لكنه لا يناسب الأورام الكبيرة أو العميقة أو القريبة من أعضاء مهمة.
اختيار العلاج الموضعي أو الفموي يعتمد على الحجم والعمق والمكان وسرعة النمو.
هل يحتاج الطفل إلى الليزر أو الجراحة؟
لا تكون الجراحة هي العلاج الأول في أغلب الرضع.
قد يفيد الليزر في بعض الأورام السطحية، أو في علاج الشعيرات الدموية المتبقية، أو كجزء من علاج بعض القرح.
أما الجراحة فقد تُناقش في حالات محددة، مثل وجود جلد زائد أو تشوه متبقٍ بعد انكماش الورم، أو إذا كانت هناك مشكلة لا تستجيب للوسائل الأخرى.
هل يمكن للورم أن يترك أثرًا دائمًا؟
نعم، بعض الأورام تختفي تقريبًا دون أثر، بينما قد تترك أخرى:
جلدًا رخوًا أو زائدًا.
اختلافًا في اللون.
شعيرات دموية ظاهرة.
ندبة بعد التقرح.
تغيرًا في شكل الأنف أو الشفة أو الأذن.
لهذا لا يعتمد قرار العلاج على احتمال اختفاء الورم فقط، بل أيضًا على مكانه، وسرعة نموه، واحتمال تركه لتغير دائم.
ماذا يجب على الأهل فعله في المنزل؟
من المفيد تصوير الورم كل أسبوع أو أسبوعين في نفس الإضاءة والمسافة، مع وضع مسطرة بجواره إن أمكن.
هذه الصور تساعد الطبيب على تقييم سرعة النمو بدل الاعتماد على الذاكرة فقط.
كما ينبغي:
تجنب الحك والاحتكاك.
عدم وضع وصفات شعبية أو مواد حارقة.
عدم محاولة فتح الورم أو تفريغه.
الحفاظ على نظافة الجلد.
مراجعة الطبيب عند ظهور ألم أو قرحة أو نزيف.
هل الورم بسبب خطأ فعلته الأم أثناء الحمل؟
لا.
لا يحدث الورم الوعائي بسبب طعام معين، أو دواء عادي استخدمته الأم، أو خوف أو صدمة أثناء الحمل.
ولا ينبغي للأم أن تحمل نفسها مسؤولية ظهوره.
هل يؤثر في نمو الطفل؟
الورم الجلدي الصغير غالبًا لا يؤثر في نمو الطفل أو صحته العامة.
لكن الأورام الكبيرة جدًا أو المتعددة أو الموجودة داخل الأعضاء قد ترتبط بمضاعفات نادرة، ولذلك تحتاج هذه الحالات إلى فريق متخصص ومتابعة أدق.
ما أهم رسالة للأهل؟
لا داعي للذعر عند رؤية ورم وعائي عند الرضيع، فمعظم الحالات حميدة، وكثير منها ينكمش مع الوقت.
لكن لا ينبغي أيضًا الانتظار لعدة أشهر دون تقييم، خاصة إذا كان الورم ينمو بسرعة أو يوجد قرب العين أو الأنف أو الفم أو مجرى التنفس أو منطقة الحفاض.
في الأورام عالية الخطورة، قد تكون الأسابيع الأولى فرصة مهمة للعلاج ومنع المشكلات الوظيفية أو التغيرات الدائمة.
الخلاصة
الورم الوعائي الدموي الطفولي نمو حميد شائع يظهر غالبًا خلال الأسابيع الأولى من العمر، ويمر بمرحلة نمو سريع ثم يبدأ عادة في الانكماش التدريجي.
لا يحتاج كل طفل إلى العلاج، لكن بعض الأورام تحتاج إلى تدخل مبكر إذا كانت قريبة من العين أو الأنف أو الفم، أو تؤثر في التنفس أو الرضاعة، أو تتقرح، أو تنمو بسرعة، أو يُتوقع أن تترك تشوهًا دائمًا.
العلاج بالبروبرانولول أحدث تحولًا كبيرًا في التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى علاج، لكنه يجب أن يُستخدم تحت إشراف طبي ومتابعة دقيقة.
إذا لاحظتم ظهور بقعة حمراء أو زرقاء تنمو على جلد طفلكم، يمكن حجز استشارة مع الدكتور/ سالم صلاح سالم، استشاري الأمراض الجلدية، لتأكيد التشخيص، وتقييم درجة الخطورة، وتحديد ما إذا كانت المتابعة وحدها كافية أو أن الطفل يحتاج إلى علاج مبكر.
